العيني

58

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان

فلما رأيناهم قد تجاوزوا في البغي غاية الحد ، واتخذوا المملكة لعباً واتكلوا على الجد ، واغتروا بعدم التفاتنا إليهم ، فكان ذلك وبالاً عليهم ، لأنا رفعنا التنازع بيننا وبين أقاربنا ، وجعلنا قصد مهلكتهم من مطالبنا ، خشينا [ 213 ] أن جيوشنا تستأصل من المسلمين الأصاغر والأكابر ، فأرسلنا إليهم رسلاً ينذرونهم ويحذرونهم ويذكرونهم ، فحبسوا الرسل وقطعوا السبل ، ثم حملهم الجهل والغرة على مقابلة جيوشنا ومقاتلتهم ، وتمثلوا في أنفسهم الغلبة فأقدموا على مماثلتهم ، وكانوا قد عاجلونا وأكثر عساكرنا لم يركبوا خيولهم ولم يشهدوا الحرب ، لما لم يعلموا تعجيلهم ، وما لقيهم غير تسعة آلاف كانوا قد ركبوا معنا ، فلقونا بأجمعهم ، وما قابلوا جمعنا ، وكان من أمرهم ما كان ، وتبين لذوي البصائر أن الله لم يرض منهم ذلك العدوان ، فاجتمعت معنا أمراء دولتنا ، وذكروا لنا أن هذه الطائفة من المماليك لهم أربعون سنة يقصدون الحصون فيخربونها ، والمدن المستصعبة فيدمرونها ، حتى إنهم خرّبوا من البلاد وقتلوا من العباد ما يعادل أهل مصر والشام ، وأوضحوا في ذلك مقول الكلام ، والمصلحة أننا نشن الغارة على الشام من غزة إلى الفرات ، وينقل من فيها من الرعية فيعمر بها ما خربوا ليقابل الفاسد بمثله ، فما قبلنا مشورتهم ، وقلنا : نحن لم نرض فعلهم ، فنصير بما فعلوا مثلهم ، وأعرضنا عن ذلك ، ورحمنا الرعية ، وجعلنا مأمنهم أول نعمة الله عليهم ، ومبدأ عطية ، وإن كان قد وقع إلى أحد من عساكرنا بعض من استضعف